فخر الدين الرازي

145

تفسير الرازي

وان كان مجازا إلا أنه مجاز متعارف ، لأن القرآن لما كان مشتملا على الرشد ، وكان كل من تأمله وصل به إلى الهدى إذا وفقه الله تعالى لذلك ، فصار كأنه يدعو إلى نفسه وينادي بما فيه من أنواع الدلائل ، كما قيل في جهنم : * ( تدعوا من أدبر وتولى ) * ( المعارج : 17 ) إذ كان مصيرهم إليها ، والفصحاء والشعراء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ ، ومرادهم منها دلالة تصاريف الزمان ، قال الشاعر : يا واضع الميت في قبره خاطبك الدهر فلم تسمع المسألة الثانية : في قوله : * ( ينادي للايمان ) * وجوه : الأول : ان اللام بمعنى " إلى " كقوله : * ( ثم يعودون لما نهوا عنه ) * ( المجادلة : 3 ) * ( ثم يعودون لما قالوا ) * ( المجادلة : 8 ) * ( بأن ربك أوحى لها ) * ( الزلزلة : 5 ) * ( الحمد لله الذي هدانا لهذا ) * ( الأعراف : 43 ) ويقال : دعاه لكذا والى كذا ، وندبه له واليه ، وناداه له وإليه ، وهداه للطريق واليه ، والسبب في إقامة كل واحدة من هاتين اللفظتين مقام الأخرى : أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص حاصلان جميعا . الثاني : قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير ، أي سمعنا مناديا للايمان ينادي بأن آمنوا ، كما يقال : جاءنا منادي الأمير ينادي بكذا وكذا . والثالث : أن هذه اللام لام الأجل والمعنى : سمعنا مناديا كان نداؤه ليؤمن الناس ، أي كان المنادي ينادي لهذا الغرض ، ألا تراه قال : * ( أن آمنوا بربكم ) * أي لتؤمن الناس ، وهو كقوله : * ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) * ( النساء : 64 ) . المسألة الثالثة : قوله : * ( سمعنا مناديا ينادي ) * نظيره قولك : سمعت رجلا يقول كذا ، وسمعت زيدا يتكلم ، فيوقع الفعل على الرجل ويحذف المسموع ، لأنك وصفته بما يسمع وجعلته حالا عنه فأغناك عن ذكره ، ولأن الوصف أو الحال لم يكن بد منه ، وانه يقال : سمعت كلام فلان أو قوله . المسألة الرابعة : ههنا سؤال وهو أن يقال : ما الفائدة في الجمع بين المنادي وينادي ؟ وجوابه : ذكر النداء مطلقا ثم مقيدا بالايمان تفخيما لشأن المنادي ، لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للايمان ، ونظيره قولك : مررت بهاد يهدي للاسلام ، وذلك لأن المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب ، أو لاطفاء النائرة ، أو لإغاثة المكروب ، أو الكفاية لبعض النوازل ، وكذلك الهادي ، وقد يطلق على من يهدي للطريق ، ويهدي لسداد الرأي ، فإذا قلت ينادي للايمان ويهدي للاسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته . المسألة الخامسة : قوله : * ( أن آمنوا ) * فيه حذف أو إضمار ، والتقدير : آمنوا أو بأن آمنوا ، ثم حكى الله عنهم أنهم قالوا بعد ذلك : * ( فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ) * وفي الآية مسائل :